الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
220
تفسير روح البيان
في الأبدان والعدد وَآثاراً فِي الْأَرْضِ باقية بعدهم من الابنية والقصور والمصانع وهي جمع مصنعة بفتح النون وضمها شئ كالحوض يجمع فيه ماء المطر ويقال له الصهريج أيضا وتغلط فيه العامة من الأتراك فيقولون صارنج وأكثر بلاد العرب محتاجة إلى هذا لقلة الماء الجاري والآبار وفي التأويلات النجمية ( وَآثاراً فِي الْأَرْضِ ) بطول الأعمار وقيل هي آثار أقدامهم في الأرض بعظم اجرامهم - وحكى - عن الشيخ محيي الدين بن العربي قدس سره أنه قال قد اجتمعت بجماعة من قوم يونس عليه السلام سنة خمس وثمانين وخمسمائة بالأندلس حيث كنت فيه وقست اثر رجل واحد منهم في الأرض فرأيت طول قدمه ثلاثة أشبار وثلثي شبر فَما أَغْنى عَنْهُمْ يقال اغنى عنه كذا إذا كفاه ونفعه وهو إذا استعمل بعن يتعدى إلى مفعول كما سبق اى لم يغن عنهم لم يدفع ولم ينفع ما كانُوا يَكْسِبُونَ كسبهم أو مكسوبهم من الأموال والأولاد وترتيب العساكر فإذا لم تفدهم تلك المكنة العظيمة الا الخيبة والخسار فكيف هؤلاء الفقراء المساكين . ويجوز أن تكون ما الأولى استفهامية بمعنى أي شئ اغنى عنهم ذلك وما الثانية على التقديرين فاعل اغنى وهذه الفاء بيان عاقبة كثرتهم وشدة قوتهم وما كانوا يكسبون بذلك زعما منهم ان ذلك يغنى عنهم فلم يترتب عليه إلا عدم الإغناء فهذا الاعتبار جرى مجرى النتيجة وان كان عكس الغرض ونقيض المطلوب كما في قولك وعظته فلم يتعظ اى لم يترتيب عليه إلا عدم الاتعاظ مع أنه عكس المتوقع فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ بالمعجزات والدلالات الواضحة وهذه الفاء تفسير وتفصيل لما أبهم وأجمل من عدم الإغناء فهي تعقيبية وتفسيرية إذ التفسير يعقب المفسر وقد كثر في الكلام مثل هذه الفاء ومبناها على التفسير بعد الإبهام والتفصيل بعد الإجمال فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ لقوله ( كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ) * اى أظهروا الفرح بذلك واستحقروا علم الرسل ولمراد بالعلم ما لهم من العقائد الزائغة والشبه الباطلة كما قالوا لا نبعث ولا نعذب وما أظن الساعة قائمة ونحو ذلك وتسميتها علما مع أن الاعتقاد الغير المطابق للواقع حقه ان يسمى جهلا للتهكم بهم فهي علم على زعمهم لا في الحقيقة أو المراد علم الصنائع والتنجيم والطبائع وهو اى علم الطبائع علم الفلاسفة فان الحكماء كانوا يصغرون علوم الأنبياء ويكتفون بما يكسبونه بنظر العقل ويقولون نحن قوم مهتدون فلا حاجة بنا إلى من يهدينا كما قال سقراط لما ظهر موسى عليه السلام نحن قوم مهذبون لا حاجة بنا إلى تهذيب غيرنا : قال المغربي علم بىدينان رها كن جهل را حكمت مخوان * از خيالات وظنون أهل يونان دم مزن وكان يكنى في الجاهلية بابى الحكم لأنهم يزعمون أنه عالم ذو حكمة فكناه النبي في الإسلام بابى جهل لأنه لو كان له علم حقيقة لآمن بالرسول عليه السلام : قال الحافظ سراى ومدرسه وبحث علم وطاق ورواق * چه سود چون دل دانا وچشم بينا نيست وفي التأويلات النجمية من العلم اى من شبه المعقولات والمخيلات والموهومات ويجوز ان يرجع عندهم للرسل على أن المراد بالعلم هو العلم الذي أظهره رسلهم وبفرح الكفار به ضحكهم منه واستهزاؤهم به ويؤيده قوله تعالى وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ اى نزل